لو كان الفقر رجلًا لقتلته
«لو كان الفقر رجلًا لقتلته»… جملة قديمة تعودنا أن نسمعها من أفواه الناس، ما عدنا نهتم بمن قالها بقدر ما نشعر بها كل يوم. الفقر ليس كلمة عابرة، بل تجربة يعيشها المرء بمرارتها، بين حرمانٍ لا ينتهي ووجعٍ لا يرحل.
أتذكر رجلًا من حينا كان يردد هذه العبارة في كل مجلس. صوته كان مبحوحًا، وعيناه متعبتان من كثرة السهر والهموم. كان يقول
الفقر ليس أن تبيت بلا مال فقط، بل أن ترى من تحب يتألم وأنت لا تستطيع أن تفعل شيئًا.
روى لنا مرةً عن أمه التي طال بها المرض. كان يراها تتألم كل يوم، عاجزًا عن مساعدتها. تمسّك بأمل ضعيف حتى جاء اليوم الذي فارقت فيه الحياة بين يديه، فلم يملك سوى الدموع. قال وهو يغالب صوته
تلك اللحظة كسرتني، وكلما تذكرتها أشعر أني ما زلت هناك، عاجزًا
ثم حكى عن والده الذي تغير بعد رحيلها. شاخ فجأة، كأنها أخذت منه القوة والروح. صار يمشي ببطء ويجلس بصمت طويل. أما زوجته، فقد حملت هموم البيت بصبرٍ صامت، تكتم وجعها كي لا تثقل عليه، ومع ذلك كان يشعر أن حملها يثقل قلبه أكثر.
غير أن ما كان يوجعه حقًا طفلته الصغيرة. كانت هادئة على غير عادة الأطفال، كأنها تفهم ما يدور حولها. تنام أحيانًا دون عشاء، ولا تشتكي. قال لنا:
حين أراها تستيقظ على فراغ، أحس أن قلبي ينكسر
كنا نصغي له ونحن صامتون. لم يكن يتحدث عن قلة المال بقدر ما كان يصف ثقلًا داخليًا لا يُرى. بالنسبة له، الفقر لم يكن مجرد ظروف، بل شعور يومي بالعجز والخذلان.
ومن حديثه فهمنا أن الفقر ليس مجرد أرقام تُذكر في نشرات الأخبار، ولا إحصاءات في تقارير رسمية. إنه حياة يعيشها أناس مثلنا، يصارعون الجوع والقلق، ويحملون دموع الأمهات وحسرة الآباء وصمت الأطفال.
لهذا لم يكن غريبًا أن يقول القدماء:
«لو كان الفقر رجلًا لقتلته»
فالفقر ليس فقط قلة المال، بل ضيق في النفس، وضياع في الأمل، وثقل في العيش.
ومع كل ذلك، يبقى هناك مجال للرحمة. يد تمتد إلى فقير قد تعني له حياة كاملة، وتعيد له بعض كرامته، وربما تمنحه لحظة فرح في وسط حزنه.
إنها حكاية رجل واحد، لكنها تشبه حكايات الملايين. والفقر لن يزول بالكلام وحده، بل حين نصنع من التكافل عادة، ومن العطاء سلوكًا، ومن الرحمة واجبًا.
اللهم ارحم أمهاتنا وآباءنا، وكن عونًا لكل فقيرٍ ومحتاج، وامسح على قلوبهم بالصبر والرجاء
بقلم الأستاذ : محمد بايزيد


0 تعليقات