قراءة نقدية
" سر الأثر "
من رواية رواية مأساة إبليس
للروائي العالمي محي الدين محمود حافظ
د منى بغدادى 🇪🇬
«سرُّ الأثر»… حين يروي إبليس الحكاية
أحياناً لا يبدأ النص من كلماته الأولى وإنما يبدأ من عتبته ؛ من العنوان و الغلاف و الصورة التي تسبق الحكاية وتمنح القارئ أول مفتاح للدخول إليها .
ومن هذه العتبة تحديداً ، يبدو أن «رواية مأساة إبليس» لا تريد أن تقدم حكاية مألوفة ؛ فالعنوان يضع «مأساة إبليس» في مركز العمل بينما يقدّم الغلاف صورة ذات حضور ناري وأجنحة لتعلن منذ البداية أن القارئ مقبل على عالم روائي يستدعي شخصية شديدة الحضور في الوعي الجمعي ، لكنه يعيد وضعها داخل مساحة تخييلية مختلفة .
ومن هنا يأتي نص «سر الأثر» .
فليس «سر الأثر» نصاً منفصلاً ، وإنما مقطع روائي من «رواية مأساة إبليس» للروائي محي الدين محمود حافظ وهو نص اختار فيه الكاتب أن يضع القارئ داخل متاهة زمنية وفكرية ، وأن يمنح إبليس نفسه موقع الراوي ، لا ليحكي التاريخ كما نعرفه ، و إنما ليعيد مساءلته من زاوية تخييلية شديدة الجرأة .
حين يصبح الراوي هو السؤال
أكثر ما يلفت النظر في هذا النص ليس مجرد اختيار إبليس شخصيةً محورية وإنما اختيار صوته ليكون وسيط الحكاية .
فالراوي هنا ليس صوتاً محايداً يقف خارج الأحداث ، بل شخصية مرتبطة أصلاً بإشكالية كبرى حول الخير والشر ، والطاعة والتمرد ، والاختيار والمصير .
وحين يتولى هذا الكائن سرد الحكاية ، فإن القارئ يدخل النص وهو يحمل مسبقاً معرفة وصوراً ومواقف متراكمة تجاهه .
وهنا تبدأ اللعبة الروائية الحقيقية :
هل يمكن أن نسمع الحكاية من الطرف الذي اعتدنا أن نسمع عنه ؟
الكاتب لا يطلب بالضرورة من القارئ أن يصدق الراوي ، وإنما يدفعه إلى الاستماع إليه .
وهذا فارق مهم .
لأن الرواية لا تقوم على أن الراوي يمتلك الحقيقة المطلقة ، وإنما على أن امتلاكه للصوت يفتح باباً جديداً للسؤال .
«الأثر»… أكثر من مجرد علامة .
أما «الأثر» في العنوان ، فلا يبدو مجرد واقعة أو علامة تركتها الأحداث خلفها ، وإنما يتحول إلى مفهوم قابل للتأويل .
الأثر هو ما يبقى بعد مرور صاحبه .
هو الذاكرة حين تتحول إلى علامة .
وهو الفعل حين يتجاوز لحظته ويستمر في الزمن .
ومن هذه الزاوية يصبح السؤال الأعمق :
ماذا يترك الإنسان خلفه ؟ ومن الذي يملك حق تفسير هذا الأثر ؟
وهنا يكتسب العنوان قيمته … لأن «سر الأثر» لا يحيل فقط إلى سر حدث ما وإنما يفتح مساحة للتأمل في العلاقة بين الفعل ونتيجته وبين الحكاية وما يترسب منها في الذاكرة .
فالحدث ينتهي … لكن أثره قد يستمر .
والحكاية قد تُروى مرة ، لكن تأويلها يمكن أن يتعدد .
الزمن … حين لا يسير في خط مستقيم
ومن العناصر اللافتة في النص أيضاً ، التعامل مع الزمن بوصفه مساحة سردية مرنة ، لا مجرد تسلسل للأحداث .
فالراوي الذي ينتمي إلى زمن يتجاوز الإنسان العادي يمنح السرد إمكانية الانتقال بين طبقات مختلفة من الذاكرة والحكاية ، بحيث يصبح الماضي حاضراً في الكلام ، ويصبح الحاضر بدوره قابلاً لإعادة القراءة .
وهنا لا يعود الزمن مجرد إطار للأحداث ، وإنما يتحول إلى أداة للتأمل .
فكلما عاد الراوي إلى الماضي ، بدا أن المقصود ليس الماضي وحده ، وإنما الإنسان الذي ما زال يعيش نتائجه حتى اليوم .
بين الموروث والخيال
ولعل أكثر مناطق النص حساسية هي تلك المساحة التي يتحرك فيها بين ما يعرفه القارئ من الموروث ، وما يقدمه الكاتب من تخييل روائي .
وهذه منطقة تحتاج من القارئ إلى أن يقرأ العمل باعتباره تجربة روائية تخييلية ، لا باعتباره بديلاً عن المرجع الديني أو التاريخي .
وهنا تظهر جرأة الكاتب في الاقتراب من شخصية ذات حمولة رمزية وثقافية هائلة ، وإعادة تقديمها داخل بناء روائي يسمح بالسؤال والجدل والتأويل .
وقد يختلف القارئ مع بعض الاختيارات أو التأويلات التي يطرحها العمل ، وهذا طبيعي في تجربة من هذا النوع ؛ فالقيمة الأدبية ليست دائماً في أن يتفق القارئ مع الكاتب ، وإنما أحياناً في أن يخرج من النص وهو يحمل سؤالًا لم يكن يحمله قبل القراءة .
إبليس … من الشخصية إلى المرآة
وربما تكمن إحدى أكثر القراءات إثارة في النظر إلى إبليس هنا لا باعتباره شخصية روائية فحسب ، وإنما باعتباره مرآة .
مرآة يرى القارئ من خلالها أسئلة الإنسان عن نفسه :
عن اختياراته.
عن مبرراته.
عن مسؤوليته.
عن علاقته بالآخر.
وعن الطريقة التي يصنع بها الإنسان روايته الخاصة عن أفعاله .
وبذلك يصبح إبليس ، داخل المساحة الروائية ، أكثر من مجرد شخصية تحكي .
إنه أداة تكشف.
والراوي الذي يبدو في الظاهر أنه يتحدث عن نفسه وعن الآخرين ، قد يدفع القارئ في النهاية إلى أن يسأل نفسه عن الإنسان الذي بداخله .
وهنا تحديداً يتحول النص من مجرد حكاية إلى مساحة للتفكير .
لماذا يترك النص أثراً ؟
لأن العمل الذي يريد أن يترك أثراً لا يكتفي بأن يخبرك ماذا حدث .
بل يجعلك تسأل :
لماذا حدث؟
وماذا يعني؟
وماذا لو رأيناه من زاوية أخرى؟
وهذه الأسئلة هي التي تمنح «سر الأثر» مساحته الخاصة داخل «رواية مأساة إبليس» .
فالنص لا يعتمد فقط على غرابة الفكرة ، وإنما على زاوية تقديمها .
والغرابة وحدها لا تصنع أدباً .
لكن حين تتحول الغرابة إلى سؤال ، ويتحول السؤال إلى بناء سردي ، ويُترك للقارئ مجال للاختلاف والتأويل ، تبدأ التجربة الأدبية في اكتساب وزنها الحقيقي .
وفي النهاية …
يكشف «سر الأثر» جانباً واضحاً من مشروع محي الدين محمود حافظ الروائي العالمي في «رواية مأساة إبليس» : الاشتغال على المساحات الملتبسة بين الموروث والخيال ، وبين الحكاية والسؤال ، وبين ما نعرفه وما يدفعنا الكاتب إلى إعادة التفكير فيه .
وقد لا يتفق القارئ مع كل اختيارات الكاتب أو تأويلاته ، لكن ذلك لا ينتقص من جرأة التجربة ؛ فالكاتب هنا لا يختار الطريق السهل ، وإنما يقتحم منطقة شديدة الحساسية ، ويصنع منها مادة روائية تقوم على الدهشة والاستفزاز الفكري وإعادة النظر .
وتبقى قيمة التجربة في قدرتها على أن تجعل القارئ لا يكتفي بمتابعة الأحداث ، وإنما يدخل معها في حوار ؛ يصدق أحياناً ، ويشك أحياناً ، ويعترض ، ويتساءل …
وهذا تحديداً ما تمنحه الكتابة التي تريد أن تترك أثراً .
كل التقدير للروائي العالمي محي الدين محمود حافظ صاحب «رواية مأساة إبليس» على هذه المغامرة الروائية التي تكشف عن خيال واسع ، وجرأة في اختيار زاوية السرد ، وشغف واضح بمطاردة الأسئلة الكبرى .
فالكاتب هنا لا يكتفي بأن يحكي مأساة إبليس … بل يجعل القارئ يبحث عن مأساته هو أيضاً .
وفي النهاية … «يتبع…»
فالأثر لم ينتهِ …
والدائرة لم تُغلق …
والحكاية لم تقل كلمتها الأخيرة بعد .




0 تعليقات